الخصخصة

أريب محمد عبدالغني - صنعاء
اعتمدت الدول النامية في الستينيات بالدرجة الأولى على القطاع العام في العملية التنموية وشهد عقد السبعينات زيادة كبيرة في عدد شركات هذا القطاع بحيث أصبحت تتواجد في كل المجالات الاقتصادية بدون استثناء.

وبينت التجارب أن أداء معظم هذه الشركات كان غير مرضي وكفأتها كانت متدنية، ومن أهم أسباب هذه النتائج عدم الالتزام بالقيود المالية المفروضة على تلك الشركات وكذلك تعدد أهدافها، ومن أبرزها أهداف اجتماعيه مثل توفير الاستخدام والسلع والخدمات المدعمة وبالتالي كانت معظم هذه الشركات تعاني خسائر مما يجعلها عبئاً على ميزانية الدولة وسبباً في إعاقة عملية التنمية الاقتصادية بدلا ًعن تطورها .

وفي ضوء الضغوط التي تعرضت لها اقتصاديات عدد من الدول النامية في عقد الثمانينات والناتجة عن أزمة الديون والتي أعقبها انخفاض كبير في التمويل الخارجي ، ومن اجل التخفيف من الاختلال على المستوى الاقتصادي المتبعة أصبحت هذه الدول تطبق سياسات مالية انكماشية تتمثل في التخفيض من النفقات والزيادة في الإيرادات ، وفي هذا الإطار برزت الخصخصة بالنسبة لهذه الدول ، فدول أرويا الشرقية مثلاً تمثل الخصخصة بالنسبة لها وسيلة للانتقال من اقتصاد مركزي إلى اقتصاد السوق بينما تمثل الخصخصة بالنسبة لدول أمريكا اللاتينية وسيلة لتثبيت اقتصادياتها وتخفيض ديونها الخارجية، كما هدفت دول أخرى مثل فرنسا وبريطانيا إلى توسيع قاعدة الملكية بانسحاب الحكومة من بعض النشاطات الاقتصادية.

ما هي الخصخصة
الخصخصة هي تحويل الأصول وأعمال الخدمة العامة من القطاع العام إلى القطاع الخاص، وتهدف الخصخصة إلى تحسين الكفاءة الاقتصادية من خلال الاعتماد على آليات السوق وتخفيف الأعباء المالية للدولة التي تسببها شركات القطاع العام الخاسرة وتطوير الأسواق المالية وتوسيع قاعدة الملكية.

أهداف الخصخصة
عمدت الدول التي تتبنى الخصخصة لتحقيق عدد من الأهداف والتي من أهمها..

تحسين الكفاءة الاقتصادية من خلال الاعتماد على على آليات السوق والمنافسة.

تخفيف الأعباء المالية للدول التي تسببها شركات القطاع العام الخاسرة وبالتالي تتمكن الدول من توفير موارد مالية لتمويل أنشطة أخرى. توسيعاً لحجم القطاع الخاص والاعتماد علية أكثر في عملية النمو والتنمية.

ومن الأهمية الإشارة إلى أن هذه الأهداف لا يمكن تحقيقها جملة واحدة ، فقد تؤدي إلى فشل عملية الخصخصة ، ذلك أن الحكومة إذا أرادت مثلاً تحسين أداء شركة ما ورفع كفاءتها فإنها تحتاج إلى بيع نسبة كبيرة منها إلى مستثمر استراتيجي محلي كان أو أجنبي وإذا كانت الحكومة في نفس الوقت تهدف إلى توسيع قاعدة الملكية فإنها تحتاج إلى توزيع أسهم تلك الشركة على اكبر عدد ممكن من المستثمرين، ومن هنا تبرز أهمية اختيار طريقة من طرق الخصخصة التي تتناسب مع الأهداف ولا تتسبب أي طريقة من التضارب بين هذه الأهداف.

طرق الخصخصة
للخصخصة طرق مختلفة ولكل منها مزاياها وعيوبها ويعتبر اختيار الطريقة المناسبة من أهم عناصر نجاح عملية الخصخصة ، ويمكن تصنيف طرق الخصخصة إلى نوعين رئيسيين ، طرق لا تنهي ملكية الدولة واهم طريقة هي خصخصة الإدارة والتي يندرج تحت هذا التصنيف (التعاقد والمشروعات المشتركة)، وطرق تنهي ملكية الدولة وهي ماسنتناولها في سياق مقالنا وبشكل مفصل، واهم هذه الطرق هي...

البيع المباشر
تعتبر عملية البيع المباشر من أكثر الطرق استخداماً في عمليات الخصخصة وقد تأخذ طريقة البيع المباشر أشكالا مختلفة فهناك البيع المباشر من خلال طلب عروض أو مزاد علني أو لمستثمر استراتيجي بما يعني أن العنصر المشترك لمختلف أنواع البيع المباشر هو عدم وجود وسطاء بين الدولة والمشتري.

طلب العروض
تتم طريقة طلب عروض الدولة من المقارنة بين مختلف العروض واختيار المشتري الذي يعرض أعلى الأسعار، وهذه الطريقة تتميز بالشفافية حيث أن آليتها واضحة وتقديم العروض مفتوح لكل المستثمرين الذين يرغبون في المنافسة على شراء الشركة، إلا أن هذه الطريقة رافقتها عيوب في أنها بطيئة حيث تتطلب كل عملية فترة زمنية ليست بالقصيرة كما أنها تتطلب نفقات إدارية مرتفعة، وقد استخدمت هذه الطريقة في المملكة المغربية لخصخصة عدد من الفنادق.

المزاد العلني
تتميز طريقة المزاد العلني بدرجة اكبر من الشفافية كما أنها تمكن الدولة من تعظيم إيرادات الخصخصة علاوة على أنها سريعة وغير معقدة، إلا أن عيوبها الرئيسية تكمن في أنها لا تسمح للدولة بفرض شروط محددة للبيع، ولكي تضمن الدولة نجاح عملية بيع شركة من خلال المزاد العلني يجب أن تقوم الدولة بالترتيبات اللازمة للتأكد من وجود عدد كاف من المتنافسين في المزاد ومن عدم التواطؤ بين بعضهم، وقد استخدمت هذه الطريقة في تونس لخصخصة جزء من الشركة الصناعية التونسية للكهرباء (سيتل).

المستثمر الاستراتيجي
عندما يتطلب وضع شركة ما إدخال تكنولوجيا متطورة لتحسين أدائها ورفع كفاءتها تلجي إلى اختيار مستثمراً استراتيجياً يتميز بخبرة عالية في هذه الصناعة وإمكانيات واسعة، وتتم عملية البيع من خلال التفاوض مما يسمح للدولة بوضع شروط محددة على المستثمر، وقد استخدمت هذه الطريقة في الأردن وتعتبر من أوائل الدول التي تخوض تجربة الشريك الاستراتيجي وهدفت إلى تطوير مصانع الاسمنت فنياً حتى تتمكن من تحسين النوعية والكفاءة الإنتاجية إضافة إلى فتح أسواق جديدة.

بيع الأسهم في الأسواق المالية
عادة ما تستخدم هذه الطريقة لبيع الشركات التي تتمتع بوضعية مالية جيده وذات حجم كبير ، ومن خلال هذه الطريقة تعرض أسهم ألشركه للجمهور عادة بسعر ثابت وقد تعرض هذه الأسهم لأول مرة في السوق كما تم في مصر وتونس والمغرب ، ففي تجربة مصر ُطرحت لأول مرة أسهم حوالي 10% من أصل 314 شركة عام 1992 وذلك بهدف دراستها كتجربة وإمكانية التوسع في حالة نجاحها، وهو ما حدث بالفعل عندما أثبتت هذه التجربة فعاليتها والإقبال على شراء هذه الشريحة الصغيرة، وقد أدى ذلك إلى قيام الحكومة بتوسيع طرح بقية الشركات بعد دراسة أوضاعها طوال الفترة الماضية.

لقد شجع القانون المصري صغار المستثمرين على شراء الأسهم بهدف توسيع قاعدة الملكية لتشمل اكبر عدد من المواطنين وتوخت الحكومة المصرية الحرص على عملية تحويل الملكية تدريجيا ًوأعطت ضمانات كثيرة أهمها منع الاحتكار ، كما وضعت ضمانات للعمالة الموجودة في هذه الشركات المخصصة ، حيث خصصت 10% من أسهم كل شركة للعاملين بها وبالتالي تم تحويل العاملين إلى ملاك ، وبعد نجاح هذه التجربة طرحت الحكومة المصرية في سوق الأوراق المالية عام 1996 أسهم 15 شركة، صناعية وغذائية وهندسية ونقلت بالكامل إلى المستثمرين المصريين والعرب والأجانب وكانت شروط تملك هذه الشركات زيادة نشاطها بالسوق واستمرار نوعية وطبيعة الإنتاج للتصدير إلى الأسواق الخارجية وعدم المساس بحقوق العاملين دون الرجوع إلى الدولة.

ورعوي في اختيار هذه الشركات على أساس أنها تعمل في أنشطة مماثلة للقطاع الخاص ولا يمس إنتاجها الأمن القومي الاستراتيجي وأنها ستوفر 15 ألف فرصة عمل جديدة.

وتتميز طريقة الخصخصة عن طريق سوق الأوراق المالية بدرجة عالية من الشفافية حيث يتم الترويج لعملية البيع، كما يتم الكشف عن القوائم المالية للشركة تماشياً مع شروط البيع من خلال الأسواق المالية ، ويمكن للدولة أن تبيع أسهم الشركة التي تملكها في السوق مباشرة من خلال الاكتتاب العام أو من خلال متعهد إصدار بما قد يخفض من المخاطر على الدولة، كما يمكن للدولة طرح الأسهم في السوق المحلية أو الأسواق العالمية.

أن الميزة الرئيسية لطريقة بيع الأسهم في الأسواق المالية هي توسيع قاعدة الملكية الخاصة عندما تضع الدولة قيوداً على كمية الأسهم التي يمكن لكل مستثمر شراؤها،ففي الكويت مثلاً تعطي الهيئة العامة للاستثمار ( وهى الجهة الحكومية المشرفة على عملية الخصخصة) الأفضلية في الاكتتاب للمستثمرين الصغار بما يسهم في توسيع قاعدة الملكية، كما تسهم طريقة بيع الأسهم في الأسواق المالية في تطوير الأسواق المحلية كما هو الحال في عدد من الأقطار العربية.

تعتبر عملية بيع الأسهم في الأسواق المالية المحلية والدولية ثاني أهم طريقة للخصخصة حيث مثلث 12% من إجمالي عمليات الخصخصة بين عامي 1988- 1993 وحوالي 39% من إجمالي إيراداتها وتدل هذه الأرقام على القيمة المرتفعة لمتوسط عملية الخصخصة من خلال الأسواق المالية. إن نجاح عملية بيع الأسهم في الأسواق المالية يتوقف على حجم السوق بالنسبة لحجم عملية طرح أسهم شركة ، وإذا كان حجم السوق صغيراً فأنة سيؤثر على سعر السهم وفي هذه الحالة يمكن طرح أسهم الشركة على دفعات حتى يتمكن السوق من استيعابها وهذا ما تقوم به عدد من الدول النامية التي لا تتمتع بأسواق مالية ذات رأسمالية عالية من بينها الدول العربية مثل مصر.

البيع للعاملين والإدارة
ويطلق عليها أيضا (الخصخصة الداخلية) حيث يحصل العاملون والإدارة على كل الشركة أو على أعلى نسبة معينة منها ، وتتمتع هذه الطريقة بعدد من المزايا أهمها أنها تستند على دعم سياسي وشعبي حيث لا تحتاج الحكومة إلى الدخول في مفاوضات مع المشترين لكي تحصل على ضمانات حول مستقبل العمالة وتترك هذه القضية للعاملين والإدارة ، وتعتبر هذه الطريقة مناسبة لتحويل ملكية الشركات التي يصعب بيعها بأي من الطرق الأخرى، تمثل هذه الطريقة حافزاً كبيراً لرفع الإنتاجية وتخفيض التكاليف ذلك أنها توحد بين مصالح العاملين والإدارة، وهى في الوقت نفسه أداة فعالة لتوسيع قاعدة الملكية.

ومقابل هذه المزايا فإن هناك عدد من العوائق والعيوب لهذه الطريقة ذالك أن تطبيقها لخصخصة عدد من الشركات بدون التفرقة بين الناجحة منها وتلك التي تعاني اختلالات هيكلية ومالية فإنها تصبح غير عادلة وغير متوازنة حيث سيستفيد المعنيون من الشركات الناجحة بدرجة كبيرة بينما الآخرون سيستمرون في المعناة من المشاكل نفسها، كذلك فإن إعطاء الأفضلية للعاملين والإدارة قد يلغي المنافسة في عملية الخصخصة نظراً لان المستثمرين الأجانب مبعدون من العملية وقد يترتب سوء تسعير الشركة إلى خسائر كبيرة على الحكومة ، ومن العيوب المحتملة أيضا، عدم تحسن أداء الشركات ورفع كفأتها بعد تحويل الملكية ذلك انه عادة مايكون العاملون غيرقادرين مالياًعلى ادخال تكنلوجيا حديثة في عملية الانتاج او مهارات عالية في ادارة الشركات.

تركزت معظم عمليات الخصخصة من خلال هذة الطريقة على الشركات صغيرة الحجم والتي تعتمد على عنصر العمل في العملية الانتاجية ، وقد استخدمت هذه الطريقة في عدد من دول اوربا الشرقية وتشلي وحتى بريطانيا.

نظام الكوبونات (القسائم)
تعتمد هذة الطريقة على اساس تحويل سريع لنسبه كبيرة من اصول القطاع العام الى مجموعة واسعة من المواطنين بحيث يتم تجميع الشركات التي سيتم خصخصتها بدلا ًمن خصخصتها بشكل منفرد (على حدى)، وتأخذ هذة الكوبونات شكل شهادات يمكن لاصحابها تحويلها الى اسهم في شركات القطاع العام من خلال مزاد علني.

تبداء الية هذة الطريقة بنشر قائمة لمجموعة الشركات المراد خصخصتها ومعلومات عن ادائها بما في ذلك قيمتها الدفتريه وعدد العماله في كل شركه وديونها العامة ، ويحق لكل مواطن فوق السن القانوني الحصول على الكوبونات التي تسمح له بالدخول في في المزايده على اسهم المشروعات التي ستتحول الى القطاع الخاص وتقدم الدولة هذة الكوبونات اما مجاناً او غالباً بدفع رسوم رمزيه لتغطية التكاليف الادارية الخاصة بادارة البرنامج ، ويمكن للمواطن حامل الكوبون تحويله الى اسهم الشركة مباشرة من خلال المزاد او استثماره في احد صناديق الاستثمار الخاصة والتي ظهرة بصورة مستقلة في عملية الخصخصة، فيمكن استعمالها لشراء اسهم الشركات التي تتم خصخصتها بينما في دول اخرى تستعمل الكوبونات لشراء شهادات تصدرها صناديق الاستثمار بدلاً عن شراء الاسهم مباشره.

ان الهدف الرئيسي لهذة الطريقة هو انشاء قاعدة لاقتصاد السوق وذلك من خلال خصخصة شركات القطاع العام باكبر سرعة ممكنة، ومن ابرز مزايا هذة الطريقه انها تعالج المشكلة الجوهريه التي تواجهها الدولة عند بيع شركات القطاع العام وهى نقص راس المال المحلي حيث توفر كوبونات للمواطنين لاستعمالها في شراء الشركات، ويتم كذلك بهذة الطريقة التغلب على مشكلة كيفية تقدير اصول المشروعات .

المشكلة الرئيسية لهذة الطريقة انها لاتؤدي الى تحسين الكفاءة الاقتصادية حيث ان توزيع الملكية على عدد كبير من المستثمرين قد لايوفر الظروف المناسبة لتحسين اداء الشركة خاصة عندما يوجد نقص في رأس المال لتطويرها ونقص المهارات لتسيرها في اطار اقتصاد السوق، وقد طبقت هذة الطريقة على نطاق واسع لدول اوربا الوسطى والشرقية منذ بداية التسعينات.

لقد طبقت الخصخصة في عدد كبير من الدول المتقدمة والنامية واظهرت التجارب تعدد طرق الخصخصة ويتوقف اختيار انسب طريقة على مجموعة عناصر اهمها الهدف من عملية الخصخصة وحجم ومجال الشركة ووضعها المالي ، ومدى تطور الاطار القانوني ، والاسوااق المالية ، وخصائص المشترين والمستثمرين، وعادة ماتختار الحكومة اكثر من طريقة للخصخصة نظراً للاختلاف في ما ذكر وبالتالي يصعب الحكم على هذة الطريقة والمقارنة بينها ، وبمعنى اخر يمكن ان تكون طريقه ما افضل الطرق في ظروف معينة ولاكن لايمكن ان تكون الافضل في كل الظروف.