يعد ضرب النقود عبر حقب التاريخ دليل رقي الأمم وسيادتها وانعكاسا
لتقدمها ومدى ثرائها، حيث اعتبر ضربها مثالا على تفرد الأمم وأحد الأمثلة
التعبيرية على رخاء المجتمع وتطور أنظمته الوضعية والاقتصادية
والاجتماعية. كانت النقود تضرب من الذهب أو الفضة أو النحاس أو المعادن
الأخرى وكان وزنها والمعدن الذي كانت تضرب منه دليلا على رقي المجتمع.
وبما أن علم "النميات" أو علم المسكوكات "كلمة نوميسيا باليونانية تعني
النقود" يعد علما مهما في معرفة التاريخ، بل يعتبره البعض دليلا تاريخيا
مهما يقدم دراسة عميقة لمدى التطور الذي بلغته أي أمة أو شعب فقد،
اعتبره البعض من أهم العلوم المساعدة للتاريخ .
وبما أن تطور أي مجتمع مرتبط بتطور نظامه الاقتصادي والمالي فإن دراسة
تطور النقود الإسلامية تعكس مبلغ التطور الذي شهدته الدولة الإسلامية عبر
العصور المختلفة. في هذا المجال يأتي كتاب الباحث خالد الصايغ
والمعنون "النقود الإسلامية"، نشر المجمع الثقافي، كإضافة علمية مميزة في
هذا المجال.
يبدأ الباحث خالد الصايغ بتتبع ظهور النظام المالي الاسلامي منذ فجر
الإسلام، حيث أقر الرسول عليه الصلاة والسلام النظام النقدي في مكة حيث
قال "الميزان ميزان أهل مكة". ويعتبر عمر بن الخطاب أول من سك العملة
وذلك في العام 18 للهجرة، حيث ضرب الدراهم الكسروية وشكلها بأعيانها
وزاد في بعضها كلمة "الحمد لله" وفي بعضها "لا اله الا لله" وكان لأمير
المؤمنين علي بن أبي طالب (كرم الله وجه) دراهم كسروية ضربت في الكوفة
كما ضرب معاوية أول الخلفاء الأمويين دنانير كسروية.
في عهد الدولة الأموية "41-132 هجري" تطور النظام النقدي، حيث عكس ذلك
التطور القوة والرخاء والتوسع الذي شهدته الدولة الأموية. فكما يذكر
المؤلف فإن سبب ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير الذهبية هو أنه كتب في
صدر رسالته إلى ملك الروم "قل هو الله أحد" وذكر النبي صلى الله عليه وسلم
مع ذكر التاريخ فأنكر ملك الروم ذلك وقال: إن لم تتركوا هذا وإلا ذكرنا
نبيكم في دنانيرنا بما تكرهون فعظم ذلك على عبد الملك واستشار الناس
فأشار عليه محمد بن علي بن الحسين بضرب السكة وترك دنانيرهم ففعل.
وبعث عبدالملك بالسكة إلى الحجاج فسيرها الحجاج إلى الآفاق لتضرب
الدراهم بها. وكانت هذه السكة تضرب وعلى احد وجهيها "قل هو الله احد"
وعلى الوجه الآخر "لا اله الا الله" وطوقت هذه العملة بطوق كتب عليه ضرب
بمدينة كذا وفي الطوق الآخر محمد رسول الله.
وخلال حكم الدولة الأموية، والذي تعاقب على حكمها فرعيا البيت الأموي،
السفياني والمرواني، تطور النظام النقدي الاسلامي واكتسب شهرة كبيرة بحكم
التوسع الكبير الذي شهدته الدولة الأموية. ولكن ما لبثت هذه الدولة أن
انهارت لتفسح المجال لقيام دولة إسلامية أخرى هي الدولة العباسية.
في عام 132 هجرية- 750 ميلادية قامت دولة إسلامية جديدة مستغلة انتسابها
إلى الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام ، وقد اعتمد العباسيون على الموالي
الفرس . وهكذا اكتسب العباسيون من الفرس الكثير من العادات وأخذوا منهم
الكثير من النظم كما قاموا بنقل مركز الخلافة من دمشق إلى بغداد. توالى
على خلافة الدولة العباسية سبعة وثلاثون خليفة بدأت بالسفاح وانتهت
بالمستعصم الذي سقطت بغداد في عهده في يد التتار عام 1258 ميلادي. في
عهد الدولة العباسية تطورت العملة فسكت الدنانير العباسية والتي اشتهر
منها دينار هارون الرشيد. فكان وزن العملة والمعدن الذي كانت تضرب منه،
والذي كان غالبا من الذهب أو الفضة، دليلا على رقي الدولة واتساعها
واستقرارها واستتباب نظامها الاقتصادي.
في عهد الدولة العباسية انشق الجناح الغربي منها، بعد سنوات قلائل من
قيامها، وقامت في الأندلس دولة أموية جديدة بقيادة عبد الرحمن بن معاوية
المعروف باسم عبد الرحمن الداخل أو صقر قريش. وقد استطاع هذا الملك ليس
فقط تأسيس دولة وجيش قويين، ولكن سك العملة الدليل الواضح على
الاستقلال والقوة وبسط السيطرة والنفوذ. فسكت في الأندلس دنانير أموية
أندلسية خاصة في عهد هشام بن الحكم الثاني. وقد مرت الدولة الأموية في
الأندلس في أواخر عهدها بأزمات وانقلابات ظهرت على أثرها اسر صغيرة عرفت
بملوك الطوائف. وقد مهدت كل هذه التغيرات والتحولات السياسية لسقوط
الأندلس نهائيا في يد ملوك الإسبان عام 1492ميلادية.
لم يقتصر سك العملة على الدول الكبرى التي حكمت العالم الاسلامي بل امتد
ليشمل دولا صغيرة مستقلة قامت في العالم الاسلامي منها الدولة الصفارية،
في القرن الثالث للهجرة، والتي سكت الدراهم الصفارية واشتق اسمها من
المعدن الأصفر أي النحاس. وقد امتد نفوذ الدولة الصفارية إلى الأراضي
الهندية والتركية وطلب أحد قادتها، يعقوب بن الليث الصفار، مؤسس الدولة
الصفارية، من الخليفة العباسي ، تقليدا خلافيا أي إعطاء صبغة شرعية
للحكم، لتولي البلاد التي فتحها وذلك لآن الشعوب لا تعترف الا بالخليفة
العباسي . وهكذا ازداد نفوذ الصفاريين وسكوا العملة باسمهم. بالإضافة
إلى الصفاريين فقد سك السامانيون عملة باسمهم وهكذا أصبح سك العملة
دليلا على الانفصال والاستقلال.
ويعتبر الدينار الفاطمي ، نسبة للدولة الفاطمية، دليلا آخر على الانفصال
والاستقلال داخل الكيان الاسلامي. فقد قامت الدولة الفاطمية في مصر في
نهاية القرن الثالث للهجرة الموافق العاشر للميلاد. وكدليل على استقلالهم
عن الدولة العباسية أمر جوهر الصقلي بضرب العملة باسم الخليفة الفاطمي
وهكذا ظهر إلى الوجود الدينار الفاطمي، لم يقتصر سك العملة على الدول
الكبرى بل امتد بعد ذلك ليشمل الدولة الصغيرة والتي ظهرت في أعقاب ضعف
الدولة الإسلامية المركزية. فظهرت عملة باسم الدينار البويهي "نسبة إلى
دولة بني بويه، والدينار الغزنوني، نسبة للدولة الغزنوية والعملة
العباسية الحمدانية نسبة للدولة الحمدانية والدينار السلجوقي نسبة
للدولة السلجوقية والعملة الأيوبية والمملوكية وانتهاء بالعملة
العثمانية والتي سكها خلفاء بني عثمان.
وهكذا يأخذنا كتاب "النقود الإسلامية" في رحلة تاريخية عبر العصور والدول
التي حكمت العالم الاسلامي ليقدم بالصور أهم العملات السائدة وتاريخ
الدولة التي مدت سيطرتها على جزء من العالم الاسلامي.
منقول